القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

عدم دستورية البند رقم (٤) من المادة (٦٢٤) من قانون التجارة

 

 حكم المحكمة الدستورية العليا رقم ٢٢٦ لسنة ٣٠ دستورية
المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ : ١٥ - ١١ - ٢٠١٧
احكام دستورية


باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الرابع من نوفمبر سنة ٢٠١٧م، الموافق الخامس عشر من صفر سنة ١٤٣٩ هـ.
برئاسة السيد المستشار / عبد الوهاب عبد الرازق رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: الدكتور حنفى على جبالى ومحمد خيرى طه النجار والدكتور عادل عمر شريف ورجب عبد الحكيم سليم وبولس فهمى إسكندر والدكتور محمد عماد النجار نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار / طارق عبدالعليم أبوالعطا رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / محمـد ناجى عبد السميع أمين السر

أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ٢٢٦ لسنة ٣٠ قضائية " دستورية ".

المقامة من
رئيس الطائفة اليهودية بالإسكندرية
ضــــد
١ - رئيس الجمهوريــــــــــــــــة 
٢ - رئيس مجلس الـوزراء 
٣ - رئيس مجلس الشعب ( النواب حاليًا )
٤ - محمد عبدالله زروق، بصفته أمين تفليسة هانى خليل جرجس خليل
٥ - سمير إسماعيل محمد يوســـــــــــــــــــــــــف
٦ - هانى خليل جرجس خليــــــــــــــــــــــــــــــــل
٧ - جمال عبدالعزيز أحمد عبدالعزيز

- - - الاجراءات- - - 

بتاريخ السابع والعشرين من أغسطس سنة ٢٠٠٨، أقام المدعى هذه الدعوى، بإيداع صحيفتها قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية البند رقم (٤) من المادة (٦٢٤) من قانون التجارة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٩٩.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى. 
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

- - - المحكمة - - -


بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل - حسبما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - فى أن الطائفة المدعية تمتلك المحل الكائن بالعقار رقم (٥٧) بشارع النبى دانيال قسم العطارين بالإسكندرية، وبتاريخ ٢٩ / ٣ / ١٩٨٩ قامت بتأجيره لكل من هانى خليل جرجس، ورضا خليل جرجس. ونص البند الأول من العقد على أن الغرض من الإيجار هو استعمال المحل فى تجارة كافة أنواع الأقمشة والملابس والمصنوعات الجلدية والإكسسوارات والأجهزة الكهربائية .....، ونص البند الرابع على أنه يحظر على المستأجر أن يؤجر من الباطن العين المؤجرة أو جزءًا منها مفروشة كانت أم غير مفروشة، كما يحظر عليه التنازل عن حقه فى الإيجار للغير إلا بموافقة كتابية من المالك. وبتاريخ ١ / ٦ / ١٩٩٩ باع المستأجر الثانى نصيبه فى المحـــــــــــــــــــل بطريق الجدك للمدعو / جمال عبدالعزيز أحمد عبدالعزيز، بعد موافقة المؤجر على ذلك. وبجلسة ٣٠ / ٩ / ٢٠٠٠ أصدرت محكمة الإسكندرية الابتدائية "الدائرة الرابعة إفلاس" فى الدعوى رقم ١٥٩٨ لسنة ١٩٩٩ حكمًا قضى بشهر إفلاس كل من هانى خليل جرجس، وخليل جرجس خليل، وتعيين القاضى عضو يسار الدائرة قاضيًا للتفليسة، وتعيين صاحب الدور أمينًا للتفليسة لاستلام أموال التفليسة وإدارتها وتحصيل حقوقها وسداد التزاماتها، ووضع الأختام على أموال المفلس ومحل تجارتـــــــــه ومخازنه. وقد تأيد ذلك الحكم بالحكم الصادر من محكمة استئناف الإسكندرية فى الاستئناف رقم ٢٢٥٢ لسنة ٥٦ "ق إفلاس" بجلسة ٨ / ٥ / ٢٠٠٢، فأقــــــــــام المدعو / جمال عبدالعزيز أحمد عبدالعزيز الدعوى رقم ١٥٩٨ لسنة ١٩٩٩ "استبعادات إفلاس"، ضد أمين التفليسة، بطلب الحكم باستبعاد واسترداد نصف المحل وكافة البضائع الخاصة به من أموال التفليسة بحسبانه مستأجرًا ومشتريًا لذلك النصف بطريق الجدك. وبجلسة ١٥ / ١ / ٢٠٠٥ حكمت المحكمة بسقوط حق المدعى فى إقامة دعواه، وتأيد ذلك الحكم استئنافيًّا بالحكم الصادر فى الاستئناف رقم ٢٠٤٥ لسنة ٦١ قضائية. وإذ تبين للطائفة المؤجرة قيام أمين التفليسة بتأجير المحل للمدعو / سمير إسماعيل محمد، من الباطن دون موافقة أو تصريح كتابى منها بحسبانها المالكة لهذا المحل، أقامت الدعوى رقم ١٤٠ لسنة ٢٠٠٥ مدنى كلى، أمام محكمة الإسكندرية الابتدائية، بطلب الحكم بإخلاء كل من المدعى عليهم من الرابع حتى السادس من المحل موضوع التداعى، كما أقام المدعى عليه السابع الدعوى رقم ٢٠٠ لسنة ٢٠٠٥ مدنى كلى، أمام المحكمة ذاتها، طالبًا تسليمه وتمكينه من نصف المحل موضوع التداعى، فقررت المحكمة ضم هاتين الدعويين للارتباط. وبجلسة ٢٨ / ٦ / ٢٠٠٨، قدم الحاضر عن الطائفة المدعية مذكرة، ضمنها دفعًا بعدم دستورية المادة (٦٢٤) من قانون التجارة المشار إليه، فيما تضمنته من تخويل أمين التفليسة الحق فى تأجير العين موضوع النزاع من الباطن دون موافقة كتابية من المالك. وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع وصرحت للمدعى بصفته بإقامة الدعوى الدستورية، أقام الدعوى المعروضة.

وحيث إن البند رقم (٤) من المادة (٦٢٤) من قانون التجارة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٩٩ ينص على أن "ولأمين التفليسة بعد الحصول على إذن من قاضى التفليسة تأجير العقار من الباطن أو التنازل عن الإيجار وفقًا للأحكام المنظمة للعلاقة بين المالك والمستأجر ولو كان المفلس ممنوعًا من ذلك بمقتضى عقد الإيجار بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر للمؤجر".

وحيث إن المصلحة فى الدعوى الدستورية، وهى شرط لقبولهــــــــا، مناطها - وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة - أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم فى المسألة الدستورية لازمًا للفصل فى الطلبات المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع. والمحكمة الدستورية العليا هى وحدها التى تتحرى توافر شرط المصلحة فى الدعاوى الدستورية للتثبت من شروط قبولها. متى كان ذلك، وكان النزاع المردد أمام محكمة الموضوع ينصب على طلب الطائفة المدعية إخلاء العقار محل النزاع، لقيام أمين التفليسة بتأجيره من الباطن، دون موافقة كتابية منها، مستندًا فى ذلك لنص البند (٤) من المادة (٦٢٤) من قانون التجارة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٩٩، فإن الفصل فى دستورية ذلك النص يرتب انعكاسًا على قضاء محكمة الموضوع فى الطلبات المطروحة أمامها، ومن ثم تكون المصلحة فى الدعوى المعروضة متوافرة.

وحيث إن مؤدى النص المطعون فيه أن التنازل عن إيجار العقار الذى كان يمارس فيه المفلس تجارته، أو تأجيره من الباطن، وفقًا للأحكام المنظمة للعلاقة بين المؤجر والمستأجر، التى يخضع لها عقد الإيجار، قد غدا رخصة لأمين التفليسة بعد الحصول على إذن من قاضى التفليسة، ولو كان المفلس ممنوعًا من ذلك بمقتضى عقد الإيجار، شريطة ألا يترتب على ذلك ضرر للمؤجر.

وحيث إن الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التى تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، ذلك إن هذه الرقابة تستهدف أصلاً صون هذا الدستور، وحمايته من الخروج على أحكامه التى تمثل دائمًا القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التى يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة. متى كان ذلك، وكان النص المطعون فيه لازال معمولاً بأحكامه بعد صدور الدستور الحالى الصادر عام ٢٠١٤، ومن ثم فإن حسم أمر دستوريته يتم فى ضوء أحكام هذا الدستور. 

وحيث إن المقرر أن الإفلاس طريق للتنفيذ الجماعى على أموال المدين التاجر،إذا قضى باعتباره متوقفًا عن سداد ديونه التجارية فى مواعيد استحقاقها، بما يزعزع ائتمانه، ويعرض حقوق دائنيه لخطر محقق، أو لنذر تتهددها بالضياع، وليس الإفلاس المشهر إلا حالة لا تتجزأ تقوم بالتاجر المفلس تبعًا للحكم الصادر بها، ليكون ساريًا فى شأن الدائنين جميعًا، ولو لم يكونوا أطرافًا فى خصومة الإفلاس، منصرفًا إلى ذمة التاجر بأكملها، ومنشئًا لمركز جديد من أثره غل يد التاجر المفلس، فلا يدير الأموال التى يملكها أو يباشر تصرفا فى شأنها توقيًا لتهريبها أو اختلاسها أو إتلافها، إضرارًا بالدائنين، وإضعافًا لضمانهم العام، وصونًا لجوهر مصالحهم التى ينافيها تزاحمهم فيما بينهم من خلال التسابق لتحصيل حقوقهم التى لا يكفلها إلا حشدهم فى جماعة واحدة، توحد جهودهم، وتقيم فيما بينهم مساواة يتقاسمون على ضوئها أموال المدين غارمين، فلا تكون حقًّا لبعضهم من دون الآخرين، بل تباع لحسابهم أجمعين، وتوزع عليهم حصيلتها بنسبة ديونهم.

ولا ينقل شهر الإفلاس أموال التاجر إلى الدائنين، ولا ينال من حقوق المفلس قبل الغير، بل تظل على حالها وطبيعتها، وإن كان غل يد المدين عن أمواله، مؤداه احتجازها برمتها لمصلحة زمرة الدائنين التى تعتبر بالنسبة إلى المفلس من الغير. وكان الدائنون وإن أقاموا عنهم سنديكًا يعتبر وكيلاً فى إدارة أموال المفلس وصونها، وتقرير التدابير التحفظية اللازمة لحمايتها، حتى يتخذ الدائنون - على ضوء تقديره لأصول ذمته المالية وخصومها - قرارًا فى شأن التفليسة، سواء بالتصالح مع المدين المفلس، أو بالسير بها إلى نهايتها الطبيعية من خلال تصفية أمواله بصورة جماعية وتوزيعها فيما بين الدائنين، إلا أن قانون التجارة لا يجعل هذا الوكيل مستقلاًّ بشئون التفليسة، أو منفردًا بسلطان عليها، بل يباشر متطلباتها مراقبًا فى ذلك من مأمور تُعينه المحكمة التى صدر عنها حكم شهر الإفلاس، ليكون صلتها بين وكيل الدائنين وبينها، وضمانًا لأن تتفرغ هى للمسائل الخطيرة وحدها التى تثيرها التفاليس التى تنظرها، والتى دل العمل على تعددها، وكثرة تفصيلاتها وتنوع منازعاتها ومن ثم كان تعيينها أحد قضاتها - ممن يتمتعون بقدر من الخبرة وطول المران - لمراقبة أعمال وكيل الدائنين، عاصمًا من تدهور شئون التفليسة، وتوكيدًا لحسن إدارتها.

وحيث إن المشرع يهدف من تقرير نظام الإفلاس فى إطار قانون التجارة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٩٩ - وعلى ما أفصحت عنه أحكامه وأعماله التحضيرية - إلى وضع نظام محكم لتصفية أموال المدين المفلس وتوزيعها بين دائنيه توزيعًا عادلاً ينال به كل منهم قسطًا من دينه دون تزاحم أو تشاحن بينهم، فضلاً عن تزويدهم بالوسائل القانونية الكفيلة بتمكينهم من المحافظة على أموال مدينهم وإبطال التصرفات التى تصدر منه بعد اضطراب مركزه المالى؛ عن رغبة فى تبديدها أو إقصائها عن متناولهم، وفى الوقت ذاته رعاية المدين بالأخذ بيده وإقالته من عثرته متى كان إفلاسه غير مشوب بتدليس أو تقصير، مع قصر التجريم على التفالس بالتدليس أو التقصير، وذلك كله بقصد تقوية الائتمان وتدعيم الثقة فى المعاملات التجارية، وهو ما أدى بالمشرع إلى تنظيم المسائل المتعلقة بتعيين أمين التفليسة واختيار أحد قضاة المحكمة قاضيًا لها، من أجل حسم المنازعات التى تثور خلال سير إجراءات التفليسة على وجه السرعة ؛ بما يحفظ للدائنين حقوقهم ويمكن المدينين من سداد ديونهم استقرارًا للمعاملات وحماية للاقتصاد القومى، كما استحدث المشرع فى قانون التجارة المشار إليه نظام مراقب التفليسة؛ وهو أحد الدائنين، لضمان الرقابة الفعلية والجادة على أعمال أمين التفليسة .

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن حرية التعاقد قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صونًا للحرية الشخصية التى لا يقتصر ضمانها على تأمينها ضد صور العدوان على البدن، بل تمتد حمايتها إلى أشكال متعددة من إرادة الاختيار وسلطة التقرير التى ينبغى أن يملكها كل شخص، فلا يكون بها كائنًا يُحمل على ما لا يرضاه.

وحيث إن حرية التعاقد - بهذه المثابة - فوق كونها من الخصائص الجوهرية للحرية الشخصية، فهى كذلك وثيقة الصلة بالحق فى الملكية، وذلك بالنظر إلى الحقوق التى ترتبها العقود - المبنية على الإرادة الحرة - فيما بين أطرافها؛ بيد أن هذه الحرية - التى لا يكفلها انسيابها دون عائق، ولا جرفها لكل قيد عليها، ولا علوها على مصالح ترجحها، وإنما يدنيها من أهدافها قدر من التوازن بين جموحها وتنظيمها - لا تعطلها تلك القيود التى تفرضها السلطة التشريعية عليها بما يحول دون انفلاتها من كوابحها، ويندرج تحتها أن يكون تنظيمها لأنواع من العقود محددًا بقواعد آمرة تحيط ببعض جوانبها. غير أن هذه القيود لا يسعها أن تدهم الدائرة التى تباشر فيها الإرادة سلطانها، ولا أن تخلط بين المنفعة الشخصية التى يجنيها المستأجر من عقد الإيجار - والتى انصرفت إليها إرادة المالك عند التأجير - وبين حق الانتفاع كأحد الحقوق العينية المتفرعة عن الملكية.

وحيث إن من المقرر - فى قضاء هذه المحكمة - أن صون الدستور للملكية الخاصة، مؤداه أن المشرع لا يجوز أن يجردها من لوازمها، ولا أن يفصل عنها بعض أجزائها، ولا أن ينتقص من أصلها أو يغير من طبيعتها دون ما ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية. وكان ضمان وظيفتها هذه يفترض ألا ترهق القيود التى يفرضها المشرع عليها جوهر مقوماتها، ولا أن يكون من شأنها حرمان أصحابها من تقرير صور الانتفاع بها، وكان صون الملكية وإعاقتها لا يجتمعان، فإن هدمها أو تقويض أسسها من خلال قيود تنال منها، ينحل عصفًا بها منافيًا للحق فيها.
وحيث إن مكنة استغلال الأعيان ممن يملكونها من خلال عقود إجارة إنما تعنى حقهم فى اختيار من يستأجرونها من ناحية، والغرض من استعمالها من ناحية أخرى. وكانت حريتهم فى هذا الاختيار جزءًا لا يتجزأ من حق الاستغلال الذى يباشرونه أصلاً عليها. وكان من المقرر أن لحقوق الملكية - بكامل عناصرها - قيمًا مالية يجوز التعامل فيها، وكان الأصل أن يظل مؤجر العين متصلاً بها، فلا يُعزل عنها من خلال سلطة مباشرة يمارسها آخرون عليها بناءً على نص فى القانون. بيد أن النص المطعون فيه أجاز لأمين التفليسة، بعد الحصول على إذن من قاضى التفليسة، الحق فى تأجير العقار من الباطن أو التنازل عن الإيجار، ولو كان المفلس ممنوعًا من ذلك بموجب عقد الإيجار، وذلك فى إطار علائق إيجارية شخصية بطبيعتها، مهدرًا كل إرادة لمؤجرها فى مجال القبول بهذا التأجير أو التنازل، أو الاعتراض عليه.

وحيث إن مقتضى ما نص عليه الدستور فى المادة (٨) من قيام المجتمع على أساس من التضامن الاجتماعى، يعنى وحدة الجماعة فى بنيانها، وتداخل مصالحها لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تزاحمها، وترابط أفرادها فيما بينهم فلا يكون بعضهم لبعض إلا ظهيرًا، ولا يتناحرون طمعًا، وهم بذلك شركاء فى مسئوليتهم عن حماية تلك المصالح، لا يملكون التنصل منها أو التخلى عنها، وليس لفريق منهم أن يتقدم على غيره انتهازًا، ولا أن ينال قدرًا من الحقوق يكون بها - عدوانًا - أكثر علوًا، وإنما تتضافر جهودهم وتتوافق توجهاتهم، لتكون لهم الفرص ذاتها التى تقيم لمجتمعاتهم بنيانها الحق، وتتهيأ معها تلك الحماية التى ينبغى أن يلوذ بها ضعفاؤهم، ليجدوا فى كنفها الأمن والاستقرار·

وحيث إن من المقرر قانونًا - وعلى ما اطرد عليه قضاء هذه المحكمة - أن حق الملكية - وباعتباره منصرفًا محلاًّ إلى الحقوق العينية والشخصية جميعها، وكذلك إلى حقوق الملكية الأدبية والفنية والصناعية - نافذ فى مواجهة الكافة ليختص صاحبها دون غيره بالأموال التى يملكها وتهيئة الانتفاع المفيد بها، لتعود إليه ثمارها وملحقاتها ومنتجاتها؛ وكان صون حرمتها مؤداه ألا تزول الملكية عن ذويها بانقطاعهم عن استعمالها، ولا أن يجردها المشرع من لوازمها، أو يفصل عنها بعض الأجزاء التى تكونها، ولا أن ينال من أصلها أو يعدل من طبيعتها، 
أو يقيد من مباشرة الحقوق التى تتفرع عنها فى غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، ولا أن يتذرع بتنظيمها إلى حد هدم الشىء محلها، ذلك أن إسقاط الملكية عن أصحابها - سواء بطريق مباشر أو غير مباشر - عدوان عليها يناقض ما هو مقرر قانونًا من أن الملكية لا تزول عن الأموال محلها، إلا إذا كسبها أغيار وفقًا للقانون.
وحيث إن السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق، لازمها أن يفاضل بين بدائل متعددة مرجحًا من بينها ما يراه أكفل لتحقيق المصالح المشروعة التى قصد إلى حمايتها، إلا أن الحدود التى يبلغها هذا التنظيم لا يجوز بحال أن ينفلت مداها إلى ما يُعد أخذًا للملكية من أصحابها سواء من خلال العدوان عليها بما يفقدها قيمتها، أو عن طريق اقتحامها ماديًّا، بل أن اقتلاع المزايا التى تنتجها، أو تهميشها مؤداه سيطرة آخرين فعلاً عليها، أو تعطيل بعض جوانبها، ومن أجل ذلك حرص الدستور الحالى فى المادة (٩٢) منه على تقييد سلطة المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، بألا يمس ذلك التنظيم من أصلها أو جوهرها، وإلا وقع فى حومة مخالفة الدستور.

وحيث إن الدستور وإن جعل فى المادة (٢٧) منه كفالة الأنواع المختلفة للملكية، العامة منها والخاصة والتعاونية، وتحقيق التوازن بين مصالح الأطراف المختلفة، غاية لكل تنظيم اقتصـــــــــــــــادى تنتهجه الدولة، والتزامًا عليها، فوق كون ما يمثله تحقيق هذا التوازن من ركيزة أساسية لحرية التعاقد كأحد روافد الحرية الشخصية التى كفلها الدستور فى المادة (٥٤) منه، بحسبان الأصل أن الشخص لا يقبل الدخول فى علاقة عقدية يختل فيها التوازن بين أطرافها. وعلى ذلك فإن المشرع ، وإن قـــــــــــــــرر فى مجال تنظيم العلائق الإيجارية، من النصوص القانونية ما ارتآه كافلا للتوازن بين أطرافها، إلا أن هذا التوازن لا يجــــــــوز أن يكون صوريًّا أو منتحلاً، وكلما كان هذا التنظيم متحيفًا، بأن مال بالميزان في اتجاه أحد أطرافها تعظيمًا للحقوق التى يدعيها أو يطلبهــــــــــــــــــــــا، كان ذلك انحرافًا عن إطارها الحق، أو نكولاً عن ضوابط ممارستها، فلا يستقيم بنيانها، بما يُعد خروجًا من المشرع على الالتزام الدستورى الملقى على عاتقه بتحقيق التوازن بين أطراف تلك العلاقة القانونية، ويقع ذلك بوجــــــه خاص إذا كان تنظيم المشرع للحق فى استعمال الشئ - وهو أحد عناصر حق الملكية - مدخلاً لإفقار مالكه، وإثراءً لغيره على حسابه.

وحيث إنه فضلا عما تقدم، لا يجوز أن يحصل المستأجر من خلال الإجارة، علي حقوق لا يسوغها مركزه القانونى فى مواجهة المؤجر، وإلا حض تقريرها على الانتهاز، وكان قرين الاستغلال، إذ ليس من المتصور أن يكون مغبون الأمس - وهو المستأجر - غابنًا، ولا أن يكون تدخل المشرع شططًا قلبًا لموازين الحق والعدل، فلا تتوافق - فى إطار العلائق الإيجارية - مصالح طرفيها اقتصاديًّا، بل يختل التضامن بينهما اجتماعيًّا، ليكون صراعهما بديلاً عن التعاون بينهما.
كذلك لا يجوز أن يتحول حق المستأجر فى استعمال العين - وهو حق مصدره العقد دائمًا حتى مع قيام التنظيم الخاص للعلائق الإيجارية وتحديد أبعادها بقوانين استثنائية - إلى نوع من السلطة الفعلية يسلطها المستأجر مباشرة على الشئ المؤجر، مستخلصًا منه فوائده دون تدخل من المؤجر، إذ لو جاز ذلك، لخرج هذا الحق من إطار الحقوق الشخصية، وصار مشبهًا بالحقوق العينية، ملتئما مع ملامحها، وهو ما يناقض خصائص الإجارة باعتبار أن طرفيها - وطوال مدتها - على اتصال دائم مما اقتضى ضبطها تحديدًا لحقوقهما وواجباتهما، فلا يتسلط أغيار عليها انتهازًا وإضرارًا بحقوق مؤجرها، متدثرين فى ذلك بعباءة القانون، ولأنها - فوق هذا - لا تقع على ملكية الشىء المؤجر، بل تنصب على منفعة يدرها، مقصودة فى ذاتها، ومعلومة من خلال تعيينها، ولمدة طابعها التأقيت مهما استطال أمدها.
وحيث إن مؤدى النص المطعون فيه، أنه أجاز لأمين التفليسة، بعد الحصول على إذن من قاضى التفليسة، التنازل عن إيجار العين التى كان يمارس المفلس فيها تجارته أو تأجيرها من الباطن، ولو كان المفلس ممنوعًا من ذلك بمقتضى عقد الإيجار.

وحيث إن النص المطعون فيه، بهذه المثابة، ينحدر بحقوق المؤجر إلى مرتبة الحقوق محدودة الأهمية، ويحيلها إلى مسوخ مشوهة لا تتعدى تقاضيه عائدًا نقديًّا دوريًّا ضئيلاً؛ مرجحًا على ملكيته - بمكناتها التى أقامها الدستور سوية لا عوج فيها - مصالح لا تدانيها، ولا تقوم إلى جانبها، أو تتكافأ معها، ترتيبًا على انتقال منفعتها إلى الغير؛ وهو بعد انتقال لا يعتد بإرادة مالكها فى معدنها الحقيقى، وهو ما يعد التواءً بالإجارة عن حقيقة مقاصدها؛ وإهدارًا لتوازن لا يجوز أن يختل بين أطرافها.

وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن النص المطعون فيه، أنشأ حقوقًا - بعيدة فى مداها - منحها لأمين التفليسة، واختصه دون مسوغ، واصطفاه فى غير ضرورة، بتلك المعاملة التفضيلية، متجاوزًا بها الشرط المانع من التنازل أو التأجير من الباطن، بما يلحق بالمؤجر وحده الضرر البين الفاحش، حال أن دفع المضرة أولى اتقاء لسوءاتها وشرورها، ولأن الأصل حين تتزاحم الأضرار على محل واحد، أن يكون تحمل أخفها لازمًا دفعًا لأفدحها. ولا ينال من ذلك أن النص المطعون فيه قد رهن ممارسة أمين التفليسة وقاضيها لهذه السلطة الفعلية الممنوحة لهما بعدم الإضرار بالمؤجر، إذ لم يحدد الجزاء على مخالفة هذا الالتزام، كما خلا التنظيم الذى أتى به المشرع من تحديد وجه المصلحة الجدية المبررة له، ومفتقدًا للضمانات التى تكفل حقوق المؤجر الناشئة عن عقد الإيجار، وتحقق التوازن بين أطرافه، وكان ينبغى - من ثم - أن يترسم النص المطعون فيه تلك الضوابط التي تتوازن من خلالها العلائق الإيجارية بما يكون كافلاً لمصالح أطرافها، غير مؤد إلى تنافرها، ليُقيمها على قاعدة التضامن الاجتماعى التى أرستها المادة (٨) من الدستور، وهى بعد قاعــــدة مؤداها وحدة الجماعة فى بنيانها، وتداخل مصالحها لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تزاحمها، واتصال أفرادها ببعض ليكون بعضهـــــم لبعض ظهيرًا، فلا يتفرقون بددًا، أو يتناحرون طمعًا، 
أو يتنابذون بغيًا، وهم بذلك شركاء فى مسئوليتهــــــم قبلها، لا يملكون التنصل منها أو التخلى عنهــا وليس لفريق منهم بالتالى أن ينال قدرًا من الحقوق يكون بها - عدوانًا - أكثر علوًا، ولا أن ينتحل منها ما يخل بالأمن الاجتماعى.
وحيث إن النص المطعون فيه قد خالف، بما تقدم، الأحكام المنصوص عليها فى المواد (٨ و٢٧ و٣٥ و٥٣ و٥٤ و٩٢) من الدستور.
فلهذه الأسباب

- - - حكمت المحكمة - - -


حكمت المحكمة بعدم دستورية البند رقم (٤) من المادة (٦٢٤) من قانون التجارة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٩٩ . والزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتى جنيه مقابل اتعاب محاماة .





تعليقات